زاهر بن سعيد

4

تنزيه الأبصار والأفكار في رحلة سلطان زنجبار

مقدّمة التحقيق فنّ وصف « 1 » الرحلة فنّ قديم ، عرفه العرب منذ أن دعاهم الإسلام إلى الضرب في الأرض « 2 » ، وتبليغ الرسالة إلى الناس كافة « 3 » . هو فنّ - إذا كان بعض الدارسين يلصقه بالجغرافيا ، بل يدمجه فيه « 4 » - مستقلّ بشخصيته وخصائصه العلمية عن الجغرافيا « 5 » هو فنّ - وإن كان آخرون « 6 » يحشرونه ضمن الأدب « 7 » - منفصل بأسلوبه ولغته . وهو فنّ ازدهر

--> ( 1 ) نلاحظ أن الكتاب العرب يستعملون مصطلح " رحلة " استعمالا مشتركا ، فهي تعني " عملية السفر والحركة في المكان " كما تعني " وصف تلك الحركة " وهذا يؤدي إلى اضطراب في الفهم ذلك أنه ليس كل رحالة وصافا ، فعدد الرحالة العرب - وخصوصا المغاربة والأندلسيين - أكبر بكثير ممن تركوا لنا أوصافا . فالمقري ( ت 1041 / 1631 ) يعرّف بعدد 307 علما رحلوا إلى المشرق ( نفح الطيب ، الجزء 2 ) بينما عدد الأوصاف التي ذكرها لهم لا تتجاوز العقد ، والصحيح هو أن نميز ما يكتبه الرحالة - متحدثا عن سفره - بمصطلح " وصف " لأن وصف الرحلة له دوافع منها : وصف المسالك ، والاعتبار وإثارة الشوق ، والتعريف بالكسب العلمي والاقتداء ، والإعلام ، وتدوين أخبار الملوك ، وغير ذلك ، بينما الرحلة - أي السفر نفسه - له دوافع أخرى ، فوصف الرحلة إذا هو الكتاب الذي نقرأه . ونجد في اللغة الفرنسية مصطلحا يؤدي هذا المعنى وهو : ( Relation de Voyage ) وكذا في الإنكليزية وجدنا : ( Relation of the events ) و ( Narrative of visit ) ( 2 ) قال تعالى : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها . الملك 67 / 15 . ( 3 ) قال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ . المائدة 5 / 67 . ( 4 ) حسين : أدب الرحلة ص 6 - 8 . ( 5 ) بسطنا القول في هذه المسألة في رسالة الدكتوراه : " مظاهر الحضارة من خلال رحلات المغاربة والأندلسيين وثقافتهم في القرنين 6 و 12 للهجرة " كلية الآداب بمنوبة تونس 1988 ، المقدمة ( مرقونة ) . ( 6 ) انظر مثلا : حسين : أدب الرحلة ص 8 - 9 ونلاحظ أن مصطلح " أدب الرحلة " هو المتداول في الحديث عن " وصف الرحلة " . انظر أيضا : غريب ( جورج ) : أدب الرحلة تاريخه وأعلامه ، دار الثقافة ، بيروت ، ط 3 / 1979 . ( 7 ) إن كلمة " أدب " - عند العرب - ذات مدلول عام ، فهي تعني السيرة " سواء تعلقت هذه بهذا الجانب أو ذاك من الحياة الفردية أو الاجتماعية أو فنّ العيش بصفة عامة ، أو تصرفات القلب ، أو أخيرا مواقف الفكر " ونحن لا نذهب هذا المذهب ، وإنما نعتبر " الأدب " تلك اللغة التي يعبّر بها المبدع عن خوالج النفس واضطراب الفكر في أسلوب فنّي رفيع . لمزيد الاطلاع عن مفهوم الأدب راجع : ميكال : الأدب ص 66 وما بعدها .